أبو الليث السمرقندي
49
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
كانوا حوالي المدينة ، وهم بنو قريظة والنضير ، وكانوا ينتظرون خروج النبي صلى اللّه عليه وسلم وكانوا يدعون الأوس والخزرج إلى الإيمان به ، فلما خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم آمن به الأوس والخزرج وكفر اليهود وجحدوا ، فنزلت هذه الآية أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : كانت اليهود إذا جاءهم حليف منهم - الذي قد أسلم - وسأل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في السر فتقول له : إنه نبي صادق فاتبعه ، وتكتم ذلك عن السفلة مخافة أن تذهب منافعه ، فنزلت هذه الآية أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ . وقال قتادة : في هذه الآية دليل على أن من أمر بخير فليكن أشد الناس تسارعا إليه ، ومن نهى عن شر فليكن أشد الناس انتهاء عنه . ويقال : تنزلت في شأن القصاص . قال الفقيه : أخبرنا القاضي الخليل بن أحمد قال : حدثنا ابن أبي حاتم الرازي قال : أخبرنا الحجاج بن يوسف ، عن سهل بن حماد ، عن ابن غياث ، عن هشام الدستوائي ، عن المغيرة وهو ختن مالك بن دينار ، عن مالك بن دينار عن ثمامة ، عن أنس قال : لما عرج بالنبي صلى اللّه عليه وسلم مرّ على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، فقال : « يا جبريل من هؤلاء » ؟ فقال : هؤلاء أمتك الّذين يأمرون النّاس بالبرّ ، وينسون أنفسهم . ثم قال تعالى : وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ، يعني أفلا تعقلون أن صفته في التوراة . ويقال : وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ أن ذلك حجّة عليكم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 45 ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ، أي استعينوا بالصبر على أداء الفرائض وبكثرة الصلاة على تمحيص الذنوب . ويقال : استعينوا بالصبر على نصرة محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقال مجاهد : استعينوا بالصبر والصلاة يعني بالصوم والصلاة ، وإنما سمي الصوم صبرا لأن في الصوم حبس النفس عن الطعام والشراب والرفث . وقد قيل الصبر على ثلاثة أوجه : صبر على الشدة والمصيبة ، وصبر على الطاعة وهو أشد من الأول وأكثر أجرا ، وصبر عن المعصية وهو أشد من الأول والثاني ، وأجره أكثر من الأول . وفي هذا الموضع أراد الصبر على الطاعة . قوله تعالى : وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ ، أي الاستعانة ويقال : الصلاة لكبيرة أي ثقيلة إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ، أي المتواضعين . ويقال : الذليلة قلوبهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 46 ] الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ، أي يستيقنون أنهم يبعثون يوم القيامة بعد الموت . وإنما سمي اليقين ظنا ، لأن في الظن طرفا من اليقين ، فيعبّر بالظن عن اليقين . وقوله : وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ يعني في الآخرة بعد البعث للحساب .